فخر الدين الرازي
256
الأربعين في أصول الدين
فنقول : هذه مغالطة . وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم [ ما كان له أمر ونهى على الخلق ، بل هو عليه السلام ] كان يخبرنا : « 7 » أن أولئك الذين سيوجدون بعدى يحدث اللّه عليهم حال وجودهم وكمال عقلهم ، أنواعا من الأمر والنهى . وذلك الاخبار انما حسن من الرسول عليه السلام لأنه حضر هناك من يسمع ذلك الخبر ، ويبلغه إلى الذين سيوجدون بعد ذلك . أما في الأزل فليس هناك أحد البتة يسمع ذلك الخبر ، ويبلغه إلى الذين سيوجدون بعد ذلك . فظهر أن هذا المثال مغالطة محضة . الشبهة الثانية : أنه سبحانه وتعالى أخبر بلفظ الماضي في مواضع كثيرة من القرآن . كقوله : إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [ نوح 1 ] و إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر 1 ] و إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا . سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ ، أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ . لا يُؤْمِنُونَ [ البقرة 6 ] فلو كان هذا الاخبار قديما أزليا ، لكان قد أخبر في الأزل عن شيء مضى قبله . وهذا يقتضي أن يكون الأزل مسبوقا بغيره ، وأن يكون كلام اللّه تعالى كذبا ، ولما كان كل واحد منهما محالا ، علمنا : أن هذا الاخبار يمتنع كونه أزليا . الشبهة الثالثة : ان كلام اللّه تعالى لو كان قديما أزليا ، لكان باقيا أبديا . لأن ما ثبت قدمه يمتنع عدمه ، فيكون قوله تعالى ل « زيد » : « صل » باقيا ، بعد أن صلى زيد صلاة الصبح ، وبعد أن مات ، وبعد أن قامت القيامة . وهكذا يكون باقيا أبدا الآباد ودهر الداهرين ، ومعلوم أن ذلك على خلاف المعقول ، فإنه تعالى إذا أمر عبده بفعل من الأفعال فإذا أتى ذلك العبد بذلك الفعل ، لم يبق ذلك الأمر متوجها عليه . وإذا ثبت أن ذلك الأمر قد زال ، ثبت أنه كان محدثا لا قديما .
--> ( 7 ) كان يخبرنا : ا